عبد الملك الخركوشي النيسابوري
146
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال ذو النون : ما شبعت من الطعام إلا عصيت ، أو هممت بمعصية . وقال يحيى بن معاذ : لو أن الجوع يباع في السوق ، لكان المريد محقوقا إذا دخل السوق ألا يشترى غيره . وقال علىّ بن الحر لأبى سليمان : أجد قلبي يصلح على الشبع ، فقال له أبو سليمان : القلب الذي يصلح على الشبع هو على الجوع أصلح . وقال عيسى القصار : من أدب الجوع أن يكون الفقير معانقا للجوع في وقت الشبع ، حتى إذا جاع يكون الجوع أنيسه . وقال سهل : إذا شبعتم فاطلبوا الجوع ممن ابتلاكم بالشبع ، وإذا جعتم فاطلبوا الشبع ممن ابتلاكم بالجوع ، وإلا تماديتم وطغيتم . وروى أنّ النّبى صلى اللّه عليه وسلم قال : « جوّعوا أكبأدكم ، واعروا أبدانكم ، وشعثوا رءوسكم ، وصبّوا جلباب الحزن على أجسادكم ، لعلّكم ترون ربّكم عزّ وجلّ بقلوبكم » . وقال علي بن بكّار : من خبرك أنه يشبع من الطعام ، فيطيق القيام ، فلا تصدقه . وقال أبو سليمان : الجوع عنده في خزائن مدخر ، لا يعطيه إلا لمن يحبه خاصة . ويقال : من شبع شبعة تدخل عليه ست آفات ؛ إحداهنّ فقدان حلاوة العبادة . والثانية : تعذّر حفظ الحكمة . والثالثة : حرمان الشفقة على الخلق ، لأنه إذا شبع ظنّ الخلق كلّهم شباعا . والرابعة : ثقل العبادة عليه . والخامسة : زيادة الشهوات . والسادسة : أنّ سائر المؤمنين يدورون حول المساجد ، والشباع يدورون حول المزابل . وقال سهل بن عبد اللّه : لا يصح التعبد لأحد ، ولا يخلص له عمله ، حتى لا يجزع ، ولا يفر من أربعة : الجوع ، والعرى ، والذّل ، والفقر . وكان جعفر بن محمد - عليه السلام - يقول : إذا امتلأ البطن طغى الجسد . وقال فضيل بن عياض : خصلتان تقسيان القلب ، كثرة النوم ، وكثرة الأكل . وقال بعضهم : من شبع من الطعام عجز عن القيام ، ومن عجز عن القيام افتضح بين يدي الخدّام . وروى أنّ النّبى صلى اللّه عليه وسلم قال : « أحيوا قلوبكم بقلّة الضحك ، وطهّروها بالجوع تصفو وترق » .